القاضي التنوخي
260
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
أنفق على ما قلع من التراب إلى هذه الغاية ، وبناء هذه المسناة ، مع ثمن ما ابتيع من الدور واستضيف ؟ قلت : أظنّه شيئا كثيرا . فقال لي : هو إلى وقتنا هذا ، تسعمائة ألف درهم صحاحا ، ويحتاج إلى مثلها دفعة أو دفعتين ، حتى يتكامل قلع التراب ، ويحصل موضعه الرمل موازيا لوجه البستان . فلمّا فرغ من ذلك ، وصار البستان أرضا بيضاء لا شيء فيها من غرس ولا نبات ، قال : قد أنفق على هذا ، حتى صار كذا ، أكثر من ألفي ألف درهم . ثم فكَّر في أن يجعل شرب البستان ، من دواليب ينصبها على دجلة ، فأعلم أنّ الدواليب لا تكفي ، فأخرج المهندسين إلى الأنهار التي في ظاهر الجانب الشرقيّ من مدينة السلام ، ليستخرجوا منها نهرأ يسيح ماؤه إلى داره ، فلم يجدوا ما أرادوه إلَّا في نهر الخالص « 1 » ، فعلَّى الأرض بين البلد وبينه تعلية أمكن معها أن يجري الماء على قدر ، من غير أن يحدث به ضرر ، وعمل تليّن عظيمين ، يساويان سطح ماء الخالص ، ويرتفعان عن أرض الصحراء أذرعا ، وشقّ في وسطهما نهرا جعل له خورين « 2 » من جانبيه ، وداس الجميع بالفيلة ، دوسا كثيرا ، حتى قوي ، واشتد ، وصلب ، وتلبّد ، فلما بلغ إلى منازل البلد ، وأراد سوق النهر إلى داره ، عمد إلى دور السلسلة ، فدكّ أرضها دكَّا قويا ، ورفع أبواب الدور ، ووثّقها ، وبنى جوانب
--> « 1 » ( 1 ) نهر الخالص ، ولا يزال هذا اسمه ، ذكره ياقوت في معجمه ( 2 / 390 ) وقال إن الخالص كورة عظيمة من شرقي بغداد إلى سور بغداد . « 2 » ( 2 ) الخور : المنخفض من الأرض بين النشزين .